نبـذة مختصرة عن الحبيب حسيـن بن عمـر بن عبدالرحمن العطـاس

 ولادته ونشأته:

ولد رضي الله عنه سنة 1047هـ، وكان وجوده في عنيبات بوادي عندل. ونشأ في كنف أبيه فتلقى عنه أفضل الأخلاق وأحلى الشمائل علماً وعملاً وذوقاً وزعامة وولاية ومشيخة حتى كان هو الخليفة في هذا المقام بعد أبيه.

وقد بشَّر سيدنا الحسين بن أبي بكر بن سالم بوجود الحبيب حسين بن عمر وذلك أن سيدنا عمر مات له ولد يحبه حباً شديداً فحزن عليه، فقال له شيخه الحسين بن أبي بكر: لا تحزن فإنه سوف يأتيك ولد يبلغ مقامه مقامي ويكون مثلي في كل شيء فكان كذلك والحمد لله.

صفته الخَلقية والخُلقيـة:

كان رضي الله عنه معتدل الخلقة بهي المنظر أبيض اللون صبيح الوجه، كبير الهامة، بارع القامة مهيب الشامة متماسك البدن ضخم الأعضاء كبير البطن فصيح اللسان صحيح السمع والبصر كثيف اللحية والعارضين يميل بياضهما إلى صفرة تضرب لحيته إلى جميع أرجاء صدره، واسع العينين شديد سوادهما يتخايل ناظره عند إقباله أنه البدر في ليلة كماله لحسنه وجماله وفضله وإفضاله.

أما أخلاقه وشمائله رضي الله عنه فقد كان متحلياً بالأخلاق النبوية متردياً بالتقوى متمسكاً بالكتاب والسنة متصفاً بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف منطبعاً على غاية العدل والإنصاف حتى فَضُل أهل زمانه وفاق وذلك بالاتفاق.

طلبه العلم الشريف:

لقد كان وجوده في كنف أبيه سيدنا عمر رضي الله عنه كافياً في تغذيته بالمعارف والعلوم والأسرار إذ هو شيخ فتحه وأبو جسمه وروحه، ومع هذا فقد أمره والده رضي الله عنه بالمسير إلى دوعن الميمون لقصد طلب العلم الشريف على تلميذه الشيخ علي بن عبدالله باراس، فمكث عنده مدة. وبعد عودته إلى حريضة كانت مجالسه وأوقاته كلها مجالس علم ودعوة إلى الله، فقد كان لا يمل من قراءة الكتب العلمية في مختلف الفنون مع ملازمته للطاعات وإقامة الجماعات. 

تلاميذه والآخذين عنه:

فقد قرأ عليه جماعات من السادة آل باعلوي وانتفعوا به، وربما يبتدئ القارئ عليه في الكتاب ويختمه في مجلس واحد، ومن قرأ عليه ولو الشيء اليسير فتح الله عليه بالكثير كما جرب ذلك مع أنه إذا قرأ القارئ لا يكثر الشرح عليه، بل الغالب عليه السكوت والاستماع إلى القارئ، إلا إذا حصل الإشكال فإنه يحل له العقال بأقرب مثال وأيسر سؤال، بل ربما يشرع القارئ في القراءة ويتم ولا يشرح عليه كلمة واحدة، ولكن بعد ما يقوم من عنده يرى آثار بركات نفحات مجلسه المبارك ظاهرة.

وكان رضي الله عنه له القدم الراسخ في تحقيق الحقائق وتدقيق الدقائق يوضحها لكل ذائق بالأسلوب اللائق والتعبير الشائق، سارت بذكره الركبان، وتسامرت بطيب نشره الخلان، وقُصد للزيارة من الأماكن البعيدة وطُلب منه الأخذ والإلباس جمع غفير وأثنوا عليه الثناء الكبير.

وقد أخذ عنه الجمع الكثير من السادة آل أبي علوي وغيرهم منهم:

الحبيب عمر حامد باعلوي تلميذ الحبيب عبدالله بن علوي الحداد، والحبيب عبدالله بن جعفر مدهر، والحبيب عمر بن عبدالرحمن البار باعلوي، والحبيب محمد بن زين بن سميط، وجملة أولاد الحبيب عبدالله بن علوي الحداد وغالب أصحابه، والشيخ عمر بن عبدالقادر العمودي صاحب قيدون، والشيخ أحمد الحساوي وغيرهم ممن لا يعد ولا يحصى.

وممن أخذ عنه أيضاً أولاده الأئمة فإنهم من أوائل الآخذين عليه، وسيدنا الإمام علي بن حسن العطاس، فهو وإن لم يدرك من عمر سيدنا الحسين إلا نحو ثماني عشرة سنة بل كان أخذه عنه وهو فوق الثمانين فقد أخذ عنه أخذاٌ محققاً قراءة وتلقيناً وإلباساٌ وعناية ورعاية، ويعود الفضل إلى الحبيب علي بن حسن المذكور في تدوين سيرة سيدنا الحسين ووالده الحبيب عمر والآخذين عنهم في كتابه القرطاس. 

اتصاله بالحبيب عبدالله الحداد:

قال سيدنا الحسين رضي الله عنه أول اجتماع لي بالسيد عبدالله الحداد ببلد دوعن حال زيارته للشيخ علي باراس وأنا إذ ذاك أقرأ عليه فعشقه باطني من ذلك الوقت.

وحكي عنه السيد الجليل محمد بن زين بن سميط علوي قال: قال سيدنا الحسين بن عمر العطاس زرت تريم بعد وفاة والدي عمر فقصدت بها سيدنا عبدالله بن علوي الحداد فطلبت منه إلباساً فألبسني وشرط عليَّ أن ألبسه وقال كما شرط علينا والدك حين ألبسنا أن نلبسه نشرط عليك قال سيدنا الحسين ففعلت معه ذلك.  

وقد بلغنا أن سيدنا الوالد الحسين المذكور مرض مرضاً أشرف منه على الموت فقال لبعض أولاد السادة آل باعلوي سلِّم على الحبيب عبدالله الحداد وقل له ما بقيت لي رغبة في الدنيا إلا الاشتياق إلى نظرة إليه، فلما جاء ذلك الشريف إلى سيدي عبدالله وأخبره بكلام سيدنا الحسين قال وأنا قل له: والله ما بقيت لي رغبة في الدنيا إلا الاشتياق إلى نظرة إليه. 

ثناء مشايخه عليه:

وكان والده سيدنا عمر يقول: ابني حسين غلام الساعتين يعني أنه ممن يسر الله له مصالح الأعمال الدنيوية والأخروية. ويقول: حسين هزله جد، وما في الحسين في الحسين، يعني ما في شيخه الحسين بن أبي بكر في الحسين بن عمر.

وكان أبوه يشير إليه بالمشيخة ويثنى عليه ويظهر فضله ومكانه، وقد أذن له أن يلبس من أراد في حياته وكان عمره خمساٌ وعشرين سنة. ومرة جاء جماعة يطلبون الإلباس من سيدنا عمر وهو ببلد نفحون فأرسلهم إلى ولده سيدنا الحسين في حريضه. وكان يقول لابنه سالم بن عمر وهو أكبر سناً من الحسين: يا سالم لا تصل قدام الحسين ولا تأخذ الفنجان قبله لأنه أعلم منك ولا تسافر إلا برأيه فكان الحبيب سالم رضي الله عنه لا يتقدم عليه في صلاة ولا غيرها وهو سالم.  

ولما احتضر سيدنا عمر جعل يقول اللهم أَعِن حُسيناً وكن له ومعه. وكان يقرأ له الفاتحة خاصة ويقرؤها للمسلمين بصلاح أمورهم عامة.

وكان الحبيب عبدالله بن علوي الحداد يثني على سيدنا الحسين غاية الثناء الجميل ويشير إليه ويأمر بزيارته بل قال لبعض السادة الذين يترددون إليه يكفيك السيد حسين لو لم تُصَلِّ وراءه إلا صلاة واحدة وتشاهده.

وقال أيضاً لبعضهم: تغانموا حسين بن عمر فإنه طعم وطعام يعني أنكم تنالون عنده مطالب الدين والدنيا والآخرة. 

ويقول: ما نحن مستأمنين بأهل الوديان وتلك الجهات إلا على السيد حسين بن عمر والشيخ عبدالله بن عثمان العمودي صاحب الدوفة. 

اهتمامه بإصلاح ذات البين:

وكان مهتماً بإصلاح ذات البين في عامة الناس وحكامهم وسلاطينهم يشفع في قضاء حوائج الضعفاء ورفع المظالم عنهم ويهتم بإصلاح السواقي والوديان ويخرج بنفسه لتشجيع العاملين فيها وله تعلق بالحراثة وغرس النخل.

كرمه وسخاؤه:

وكان رضي الله عنه جواداٌ سمحاٌ له اليد الطولى في الكرم والإنفاق يظهر عليه البشر بإقبال الضيفان المستحقين خصوصاً أهل البيت وأهل العلم منهم ومن غيرهم، فإنه يكرمهم بأطايب الطعام مع المبالغة في الإيناس وإظهار البشر والإكرام لا يبقى ولا يذر.

حرصه على صلة الارحام:

وكان رضي الله عنه قائماً بصلة الأرحام وخصوصاً الأرامل والأيتام فهو لهم كالأب الشفيق، ويحب الضعفاء والمساكين ويكرمهم ويجلهم خصوصاً أهل الطاعة والمنتسبين وأهل المساجد والمعلمين كثير السؤال عن أحوالهم، وأما أهل بلده فما كان لهم إلا كالأب الشفيق يعين الملهوف وينصر المظلوم ويردع الظالم ويقابله بالإنكار كائناً من كان ويغضب لله إذا انتهكت محارمه وله في ذلك وقائع مشهورة وأخبار مستفيضات مع الولاة وغيرهم.  

تحليه بالصبر:

وكان كثير الصبر والاحتمال لا يتأوه ولا يتوجع ولا يشتكي إلى أحد إلا إذا ظهرت العلة، وعلموا بها من أنفسهم وسألوه عنها أخبرهم بها، وقد سأله بعض الناس عن حاله وصحة أعضائه بحضور جماعة من أولاده فقال له: إنها قد عميت إحدى عيني منذ سبعة أشهر فقال له أحد أولاده: ولِمَ لَمْ تُعلمنا بذلك فقال: أما عَلِمت أني مثل المدينة العظيمة كل يوم يخرب فيها مكان ولا يعلم من بأقصاها ما يحدث في أدناها. ولما ضعف وكبر سنه كان لا يقوم إلا بجماعة يقيمونه إلا إذا أراد القيام للصلاة فإنه يقوم بنفسه فسئل عن ذلك فقال: إن هذه حالة الشيخ عمر المحضار بن الشيخ عبدالرحمن السقاف.  

قوالاً بالحق:

وكان رضي الله عنه قوالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يخاف غير الله تعالى يواجه الملوك فمن دونهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يداهن ولا يصانع في ذلك ولداً ولا أخاً ولا صديقاً، بل يدور مع الحق كيف دار، وكان رضي الله عنه يعرف المحق من المبطل إذا جاءه الخصمان.

زوجاته وأولاده:

عندما كان سيدنا الحسين يطلب العلم في الخريبة عند الشيخ علي بن عبدالله باراس، أراد الزواج في تلك المدة واستحيَ أن يواجه الشيخ علي بذلك فكتب في اللهج (أي النافذة) التي يجلس عندها الشيخ علي يطلب منه الزواج وسنه إذ ذاك ستة عشر عاماً فخطب له الشريفة رقوان بنت السيد عبدالله بن أحمد الجفري وتزوجها رضي الله عنهم أجمعين. وأنجبت له بالذرية المباركين وهم أحمد (وهو أكبر أولاده فلم يكن بينه وبين والده إلا نحو ثمان عشرة سنة)، وعبدالله وعلي (وهؤلاء الثلاثة وجدوا في حياة والده الحبيب عمر)، ومحسن وفاطمة.

وتزوج أيضاً سلمى بنت عبدالرحمن بايزيد وولدت له حسن وحمزة وطالب وفاطمة. 

وتزوج أيضاً من عائشة بنت سيدنا عيسى بن محمد الحبشي وأنجبت له عمر وعيدروس وعبدالرحمن.

وتزوج أيضاً مريم بنت أبي بكر باذيب الشبامي ولدت له سلمى. 

وبذلك يكون عدد أولاده الذكور عشرة وهم: أحمد، وعبدالله، وعلي، ومحسن، وحسن، وحمزة، وطالب، وعمر، وعيدروس، وعبدالرحمن.

والإناث ثلاث: فاطمة الأولى، وفاطمة الثانية، وسلمى. 

وقد وهب الله له الذرية المباركة بحيث رأى أربعة أجيال من ذريته (وذلك في أولاد أخت الحبيب علي بن حسن).

وفاته:

كان سبب وفاته رحمه الله أنه ثار عليه وجع في بطنه وتألم منه مدة أربعين يوماً وذلك مدة مرض شيخه الحسين بن أبي بكر بن سالم، وقد خصه الله بالشهادة الموجبة لنيل السعادة بموته بوجع البطن.

وكان رحمه الله مستعداً للقاء ربه غير جازع مما نزل به، بل كان يتكلم بكلام أولي الثبات والعزم وقد يغيب ثم يفيق عند حضور وقت الصلاة، وكانت وفاته رحمه الله ونفعنا به نصف الليل الأخير من ليلة الخميس منتصف شهر جمادى الآخرة سنة 1139هـ عن عمر يقارب اثنين وتسعين عاماً، وذلك ببلد نفحون كما توفي بها والده عمر، ونُقِلَ إلى بلد حريضة ودفن بها بعد صلاة العصر من يوم الخميس، رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة دار القرار.

تنويه: تقديراً لجهود ابنائكم نرجو التفضل في حالة النقل أو الاقتباس الإشارة إلى المصدر “موقع الساعي نت”